الشيخ محمد رشيد رضا
44
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
جعلها إعلاما لنا : الخ فهو يريد أن الشعائر من أشعره بالشيء أعلمه به وقد صرح بذلك ولكنه لا يدل بهذا على معنى التعبد إذ قد أعلمنا اللّه تعالى بالاحكام التي لا تعبد فيها أيضا والشعائر لم تطلق في القرآن إلا على مناسك الحج الاجتماعية ، وألحق بها بعضهم ما في معناها من عبادات الاسلام الاجتماعية كالاذان وصلاة الجمعة والعيدين ( الأستاذ الامام ) في الاحكام التي شرعها اللّه تعالى نوع يسمى بالشعائر ومنها ما لا يسمى بذلك كأحكام المعاملات كافة لأنها شرعت لمصالح البشر فلها علل وأسباب يسهل على كل إنسان أن يفهمها ، فهذا أحد أقسام الشرائع . والقسم الثاني هو ما تعبدنا اللّه تعالى به كالصلاة على وجه مخصوص ، وكالتوجه فيها إلى مكان مخصوص سماه اللّه بيته مع أنه من خلقه كسائر العالم . فهذا شيء شرعه اللّه وتعبدنا به لعلمه بان فيه مصلحة لنا ولكننا نحن لا نفهم سر ذلك تمام الفهم من كل وجه أقول : وهذا النوع يوقف فيه عند نص ما شرعه اللّه تعالى ، لا يزاد فيه ولا ينقص منه ولا يقاس عليه ، ولا يؤخذ فيه برأي أحد ولا باجتهاده ، إذ لو أبيح للناس الزيادة في شعائر الدين باجتهادهم في عموم لفظ أو قياس لأمكن أن تصير شعائر الاسلام أضعاف ما كانت عليه في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حتى لا يفرق أكثر الناس بين الأصل المشترع ، والدخيل المبتدع ، فيكون المسلمون كالنصارى . فكل من ابتدع شعيرة أو عبادة في الاسلام فهو ممن يصدق عليهم قوله تعالى ( أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) وإنما الاجتهاد في مثل تحري القبلة من العمل التعبدي وفي القضاء . وليراجع القارئ تفسير قوله تعالى ( 5 : 104 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) وقوله ( 9 : 31 اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) ومن العبث أن يعمل الانسان ما لا يعرف له فائدة لقول من هو مثله وهو مستعد لأن يفهم كل ما يفهمه ؟ ولا يأتي هذا العبث في امتثال أمر اللّه تعالى لأنا نعتقد أنه برحمته وحكمته لا يشرع لنا إلا ما فيه خيرنا ومصلحتنا ، وأنه بعلمه المحيط بكل شيء يعلم من ذلك ما لا نعلم . والتجربة تؤيد هذا الاعتقاد فان الطائعين القائمين بحقوق الدين تصلح أحوالهم في الدنيا ، ويرجى لهم في الآخرة ما يرجى ، وإن لم يفهموا فهما كاملا فائدة كل جزئية من جزئيات العمل ، فمثلهم كما قال الغزالي مثل من وثق بالطبيب وجرب دواءه